قالت صحيفة "معاريف" العبرية، إنه في ظل موجة الاتفاقيات والتحالفات الجديدة التي تهزّ الشرق الأوسط، يتزايد التنافس بين القوى العالمية- الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند- على النفوذ والسيطرة على مصر.
وينضم إليها تركيا وإيران، وبخاصة دول الخليج، بقيادة السعودية والإمارات، التي تتنافس فيما بينها على نطاق النفوذ والاستثمارات في البلاد، وتضخّ عشرات المليارات من الدولارات فيها، مثل صفقة رأس الحكمة الإماراتية الضخمة التي بلغت قيمتها 35 مليار دولار.
وأوضحت الصحيفة، أن مصر تستغل موقعها الجيوسياسي على الساحل الأفريقي للبحر الأحمر وسيطرتها على قناة السويس، وهي ممر تجاري حيوي يمر عبره نحو 12% من التجارة البحرية العالمية.
وأشارت إلى أن مصر لم تعد تكتفي بموقعها كلاعب محوري في القرن الأفريقي وجسر للبنية التحتية والطاقة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، بل تسعى إلى ترسيخ مكانتها كمركز تحوط.
وبحسب الصحيفة، تقود حكومة السيسي حاليًا سياسة خارجية متعددة الأبعاد وحازمة، تُمكّنها من المناورة بمهارة في عالم متعدد الأقطاب بين العديد من الفاعلين الإقليميين والعالميين، دون الالتزام بتحالف عسكري ملزم أو التماهي التام مع أي طرف.
وقالت إنه مع تراجع الوجود الأمريكي في المنطقة - في ظل الصراع المستمر مع إيران، والحرب في غزة، وتصاعد التوترات في تايوان - تُكثّف القوى الأخرى مساعيها للتقرب من القاهرة: فالصين، التي تتجاوز استثماراتها في مصر 10 مليارات دولار، تُعمّق وجودها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وتُقيم شراكة تكنولوجية صناعية معها في مجالات الذكاء الاصطناعي، وشبكات الجيل الخامس، ومراكز البيانات، وذلك في إطار مبادرة "الحزام والطريق".
ووقّعت روسيا اتفاقية لبناء محطة طاقة نووية في مصر بقيمة 30 مليار دولار تقريبًا، مما يُرسي ركيزة استراتيجية للطاقة، ويُؤسّس تبعية الطاقة والتكنولوجيا لموسكو لعقود قادمة.
وتُعزّز الهند علاقاتها الاستراتيجية في مجالات تكنولوجيا المعلومات، والصناعات الدوائية، والشركات الناشئة، وتُزيد استثماراتها في الطاقة المتجددة، بما في ذلك بناء محطات الهيدروجين الأخضر بقيمة 18 مليار دولار تقريبًا - كرد فعل على مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، وكجزء من تطوير ممر IMEC (الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا).
في الوقت ذاته، قالت الصحيفة إن مصر - التي انضمت إلى مجموعة البريكس عام 2024 وتستفيد من تدفق الاستثمارات من صناديق الثروة السعودية والإماراتية - تواصل جني مساعدات أمنية سنوية بقيمة 1.3 مليار دولار، وتعاونًا في مجال الطاقة من الولايات المتحدة (مثل صفقة الغاز مع نوبل إنرجي)، إلى جانب ضمانات من صندوق النقد الدولي.
وخلصت إلى القول، إن القاهرة "تحتفل بكل شيء": ففي هذه الفترة من عدم الاستقرار العالمي، تحوّل حكومة السيسي التنافس بين القوى إلى رافعة لتحقيق نمو غير مسبوق ونفوذ استراتيجي.
على حبل مشدود
لكن وراء واجهة "محور التوازن" والسياسة المصرية الجريئة، تشير الصحيفة إلى أنه تكمن حقيقة جيوسياسية هشة. فالتضخم المرتفع (14.9%)، والانخفاض الحاد في قيمة الجنيه المصري (حوالي 51 جنيهًا للدولار)، والنقص الحاد في العملات الأجنبية، والديون الخارجية الضخمة (164.8 مليار دولار في يونيو 2026) تجعل القاهرة تعتمد كليًا على تدفقات رأس المال الخارجي. فبين عامي 2013 و2022، تلقت مصر ما بين 92 و114 مليار دولار من السعودية والإمارات والكويت، بشكل رئيس على هيئة ودائع ومنح ودعم للوقود، مما أدى إلى خلق آلية تُعرف بـ"فخ المساعدات مقابل الإصلاح".
علاوة على ذلك، تواجه مصر، التي تمتلك محطتين فقط للغاز الطبيعي المسال في الشرق الأوسط، وتُعدّ مركزًا حيويًا لمعالجة الغاز المستورد من إسرائيل لتسويقه في أوروبا وآسيا وأفريقيا، عجزًا مستمرًا في الطاقة، وتراجعًا في الإنتاج المحلي، وضغطًاً هائلاً على التدفئة.
وأوضحت أن كل هذا يزيد من اعتمادها على التمويل الخارجي، وصفقات الطاقة طويلة الأجل، وتحركات صناديق الثروة السيادية الخليجية، التي انتقلت من تقديم المساعدات الطارئة إلى شراء حصص مباشرة في أصول استراتيجية في البلاد، مثل شراء 18% من أسهم البنك الدولي التجاري الكبير في مصر، إلى جانب الاستحواذ على أصول عقارية وسياحية على طول ساحل البحر الأحمر.
في الوقت ذاته، يُؤدي توغل الصين في البنية التحتية الحيوية في منطقة السويس (الموانئ، والمناطق الصناعية، ومراكز البيانات، وشبكات الاتصالات العسكرية) إلى زيادة مخاطر حدوث اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية أثناء الأزمات.
هذا بالإضافة إلى خطر الانجرار إلى صراعات في القرن الأفريقي، على سبيل المثال، ضد السودان أو الصومال أو إثيوبيا، التي أكملت بناء سد النهضة على أعالي النيل، والذي تعتبره القاهرة تهديدًا استراتيجيًا وجوديًا.
وأشارت إلى أن الرغبة في التودد في آنٍ واحد إلى العديد من الأطراف ذات المصالح المتضاربة تُزيد بشكل كبير من أفق المخاطر التي تواجهها مصر.
وفي الوقت ذاته، ذكرت الصحيفة أن الاعتماد على قروض تبلغ قيمتها الإجمالية حوالي 8 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، وعلى تدفقات رأس المال من الخليج، وعلى صفقات ضخمة مثل مشروع رأس الحكمة أو مشروع "البحر الأحمر المريخ" (حوالي 18.5 مليار دولار)، قد يؤدي إلى تفاقم أزمة الديون وتقويض استقلال القاهرة في وقت عصيب.
وقالت إنه في عالم يتزايد فيه الانقسام ويتفاقم فيه الاستقطاب العالمي، لا يُعدّ التنافس بين واشنطن وبكين وموسكو ونيودلهي مجرد ميزة، بل هو أشبه بالمشي على حبل مشدود محفوف بالمخاطر. فكلما ازدادت مصر ساحةً للمنافسة العالمية، ازداد خطر انجرارها إلى صراعات إقليمية لم تخترها، بدءًا من تصعيد الصراع مع إيران، مرورًا بالحرب في غزة، وصولًا إلى التوترات مع إثيوبيا.
علاوة على ذلك، رأت إن رفض القاهرة الانضمام إلى التحالفات الإقليمية (مثل "اتفاقية مكة" مع السعودية وتركيا وباكستان)، مع الحفاظ على علاقاتها مع طهران، أو في المقابل، أي تغيير في ميزان المصالح لإحدى القوى وتفاقم التوتر بينها - لا سيما في ظل اتفاقيات الطاقة، والشراكات الأمنية والاقتصادية، والمناورات العسكرية المشتركة (كتلك التي جرت بين روسيا وإيران ومصر في البحر الأحمر)، والمساعدات العسكرية، وصفقات الأسلحة - قد يُقوّض استقرارها الداخلي.
ويأتي هذا تحديدًا في الوقت الذي تسعى فيه القاهرة إلى استغلال التنافس الجيوسياسي والصراعات على النفوذ بين الأطراف لترسيخ مكانتها ونفوذها الإقليميين.
الترابط مع إسرائيل
واعتبرت الصحيفة في الوقت ذاته، أنّ اجتماع الأزمة الاقتصادية الحادة، والموقع الجغرافي الحساس في قناة السويس (وبالقرب من مضيق هرمز)، وموقع مصر في قلب التنافس بين القوى المتعددة، يُتيح فرصًا اقتصادية، ولكنه يُشكّل في الوقت نفسه مخاطر استراتيجية جسيمة على الاستقرار الإقليمي، والأمن القومي الإسرائيلي، وأمن الإمدادات العالمية، ومحور النفوذ الأمريكي الغربي. وتبرز هذه المخاطر بشكل خاص في مجالات التوسع العسكري، والأمن البحري، ونقل التقنيات الحساسة - من معدات الدفاع الجوي إلى تقنيات الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي.
بالنسبة لإسرائيل، التي تُرسّخ صفقة الغاز المصرية التي تبلغ قيمتها 35 مليار دولار أمريكي والممتدة حتى عام 2040 مكانتها كمورد رئيس للطاقة إلى مصر، وتمنحها نفوذًا على استقرار قطاع الكهرباء المصري، تُعدّ هذه الصفقة أداة سياسية واقتصادية وطاقية بالغة الأهمية. عمليًً، قد يُسهم اعتماد مصر على مصر في استقرار الحدود الجنوبية وتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي.
من جهة أخرى، تعتمد إسرائيل على مصر كسوق رئيسة ومركز لتسييل الغاز الطبيعي المسال. وقد يؤدي توقف صادرات الغاز (كما حدث عقب النزاع مع إيران) إلى تقويض الشراكة في مجال الطاقة والترابط بين البلدين، لدرجة أن يصبح ذلك نقطة ضعف في حال وقوع أزمة.
ويمكن لهذا السيناريو أن يُضعف النفوذ الإسرائيلي، ويُشوّه صورتها كمورد موثوق، ويُزعزع ثقة المستثمرين الأجانب في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتقنيات ذات الصلة. ونتيجة لذلك، قد يُسرّع ذلك من توغل الصين أو روسيا أو تركيا في البنية التحتية للطاقة المصرية.
لذا، اعتبرت الصحيفة أنه ومن منظور استراتيجي واسع لإدارة المخاطر العالمية، يتعين على إسرائيل تبني نهج عملي واستباقي، وتطوير بنية مرونة متعددة الأبعاد وطويلة الأجل لتعزيز قدرتها على الصمود، تشمل ما يلي:
أ. تنويع أسواق التصدير والبنية التحتية للطاقة مع تقليل الاعتماد على مصر، والاستثمار في بنية تحتية بديلة للغاز الطبيعي المسال، وتوسيع التعاون اللوجستي مع اليونان وقبرص.
ب. الاستعداد لسيناريوهات الطوارئ القصوى، مع وضع خطط طوارئ لانقطاعات الإنتاج والتصدير، والحفاظ على مخزونات استراتيجية، وتعزيز الأمن والاستخبارات والتنسيق في مجال الطاقة. ستتيح هذه الخطوة لإسرائيل فرصة لتوسيع شراكاتها مع الولايات المتحدة والهند والدول الأوروبية، وستعزز موقعها الجيوسياسي كمحور مركزي للطاقة والاقتصاد واللوجستيات في الشرق الأوسط.
https://www.maariv.co.il/news/opinions/article-1365281

